February 3, 2013

مما انساب بين السودان وإرتريا رفقة السلاح والكفاح ..

مما انساب بين السودان وإرتريا
رفقة السلاح والكفاح ..

مما انساب بين السودان وإرتريا رفقة السلاح والكفاح ..

قصة البندقية ( أبو عشرة ) التي فجر بها الشهيد حامد إدريس عواتي
الكفاح المسلح الإريتري في ١ / ٩ / ١٩٦١ م

بقلم: عمر جعـفـر السّـوْر

عفــو الخاطــر:

و جـلا الســيولُ عن الطلـولِ كأنها زبـرٌ تجـدُّ متونـَها أقـلامُـها
لـبيد بن ربيعة العامري

أحدث البحث القيم العميق الضافي الذي قدمه حسب الله محمد أحمد (من جماعة بعث التاريخ السوداني التي نشطت في ستينيات القرن الماضي) في ندوة بنادي الخريجين بأمدرمان العام 1965عن هجرة عشيرة “النابتاب” من شمال السودان و استقرارهم في غربي إرتريا، و عن اصولهم و خصائصهم
وتسميتهم و لغتهم واكتسابهم لها واسباب تلك الهجرة و دورهم قبلها في السودان و بعدها في إرتريا،
وقيادتهم للمجتمعات التي حلوا بديارها وأقاموا بينها، عن رضى وليس عن قهر، و تأثيرهم وتأثرهم بالبيئة المحيطة، أحدث أثراً عميقاً في مستمعيه من سودانيين وإرتريين. أعقب قراءة البحث الطويل نقاش مستفيض، ترك أيضاُ أثراُ واضحاُ يدفع الناس الى الغوص عميقاً في بحور صلة الجوار بين البلدين. لكن ذلك الاثر لم يدم طويلاً عقب انفضاض الندوة، بل طوت الاحداث المتلاحقة نتائجه، و أصبح نسياً منسيا من بعد ذلك. أراد البعض أن يسبر غور ما جرى بين السودان وإرتريا في فترات ممتدة عبر تاريخ البلدين والشعبين، لكن مجريات الامور دهمته، و جرفته سيول الملمات، فترك التيار يأخذه حيثما يشاء.

لهذا لم يفطن كثيرون الى هجرة معاكسة من إرتريا الى السودان ثم العودة مرة أخرى ليلتحقوا بصفوف الثورة، أو بدولة الاحتلال، بل حسبوا ذلك من المسلمات و غفلوا عما أحدثته وما خلفته في بعض المناطق المتاخمة للحدود كما البعيدة عنها على حد سواء.

كانت “أورطة العرب الشرقية” التي تأسست بُعيد سقوط الدولة المهدية مقصداُ لكثير من الإرتريين الذين التحقوا بصفوفها، ثم انضموا الى وحدات قوة دفاع السودان وبعدها الى الجيش السوداني في الفترة التي أعقبت الجلاء. لم يعملوا في مناطق الشرق فحسب، بل في جميع أرجاء البلاد. لقد كان والد الدبلوماسي والوزير الاثيوبي ذي الاصول الإرترية، صالح حنيت، على سبيل المثال، من جنود تلك الأورطة. فقد ولد صالح في امدرمان في العام 1923، و تلقى أولى دروسه على يد “سيدنا محمد صالح”، والد الشاعر السوداني – الإرتري، كجراي، ثم نال تعليمه في مدارس القضارف وبورتسودان و بربر حتى تخرج من كلية قوردون التذكارية ليلتحق بالعمل الاداري مفتشاً بأمدرمان. هذه المدارس التي تعلم بها صالح حنيت تشير الى المدن التي انتقل اليها والده مع وحدته العسكرية، جندياً في صفوف القوات النظامية السودانية إبان فترة الحكم الثنائي الانقليزي – المصري. بعد سنة واحدة اختارته الادارة البريطانية العام 1948، مع غيره من رجال الخدمة المدنية في السودان، للعمل في مدينة تسني التي حررتها جيوش الحلفاء من القوات الايطالية. ومن هناك، و منذ ذلك الوقت، أخذ في صعود السلم الوظيفي قفزاً، فاختار الانحياز الى اثيوبيا، إذ عاد الى مسقط رأسه سفيراُ لأثيوبيا في الخرطوم، ثم غادرها ليصبح فيما بعد وزيراً للاتصالات الى أن عزله الامبراطور هيلي سيلاسي، فلم يجد بداً من الوقوف بالقرب من باب القصر الامبراطوري يؤدي التحية المعروفة ب(ادجنات)، و هي الانحناء عند خروج الامبراطور من قصره قاصداً مكتبه أو أية وجهة أخرى. تلك الانحناءة كانت تعبيراً عن الولاء المطلق لأسد يهوذا، يرجو فيها الواقف على عتبات القصر الرضى و القبول و المن و الغفران، و كذلك السلوى و الحلوى، إن رضي
وغفر و تفضل ثعلب السياسة الافريقية بالعفو، و ذلك كله في الصيف و الشتاء، تحت وابل من المطر، أو سياط لاسعة من الشمس المحرقة أو الزمهرير القارس. لكن ملك الملوك لم يرض عنه، فظل الرجل واقفاً هناك الى أن سقط سبط يهوذا من عرشه، ليعمل السفير والوزير مترجماً في منظمة الوحدة الافريقية حتى توفاه الله بعيداً عن مسقط رأسه السودان و عن موطنه إرتريا في العام 1995، و كانت الثورة قد انتصرت منذ حين. مثله كثير من الإرتريين آثروا البقاء في اثيوبيا، و بعضهم له صلات وثيقة بالسودان.

أما الاخوة عندوم، فقد كان حظ أصغرهم عاثراً عندما قضى في مذبحة أودت بحياة عسكريين اثيوبيين كثر من مختلف القوميات و القبائل، و كان هو رئيسهم و قائدهم الذي تربع على سدة العرش فور الاطاحة بالإمبراطور. عاد ملّس عندوم الى الخرطوم سفيراً لإثيوبيا أيضاً، و ترقى شقيقه عاثر الحظ، أمان، في درجات العسكرية الى رتبة الجنرال ليختاره الجنود المتمردون في سبعينيات القرن الماضي رئيساً للمجلس العسكري (الدرق) الذي استولى على السلطة، لكن منقستو هيلي مريام و رهطه سفكوا دمه و دماء من معه بدم بارد، و قتلوهم عن بكرة أبيهم من غير أن يرف لهم جفن. أما شقيقهم الأكبر فقد مكث في اسمرا، يسعى في مناكبها، يحدث عن أيام بورتسودان و يروي الامثال السودانية و شعر الدوبيت – كما لم يروه أحد – و ذلك كلما التقى بأصدقائه أو عاد مريضاً، أو زف عريساً و عروساً، أو جاء معزياً أو زائراُ.

حينما اندلع الكفاح المسلح في إرتريا في أول سبتمبر/أيلول 1961 بقيادة الشخصية الوطنية الفريدة، حامد ادريس عواتي، لم تكن لديه أو لدى رفاقه الامكانات و الوسائل التي قد تعبد الطريق تحت اقدامهم أو تفسح لهم دروباُ وعرة و موحشة، لكنهم قرروا، بعزيمة لا تهن، اجتيازها. جاء اليه جنود عملوا في الجيش السوداني ببنادق أكل عليها الزمن و شرب و كلّ زنادها من معارك غابرة. بدأوا بتلك “الطبنجات” طريقهم نحو الحرية. لم تشتر الثورة سلاحاً من السودان قط، و لم يزودها أي من أصدقائها السودانيين بقطعة سلاح واحدة، بيضاء أو نارية، كما تردد ادعاءً زائفاً و هرطقة وتزويراً؛ و لم تأت من المناصير حتى رصاصة فارغة. السودان لم يكن مصدراً للسلاح، بل كان ممراً له. لكنه لعب دوراً أهم من ذلك، وهو دور الحاضن للثورة، و الخلفية التي يتكئ عليها، و شريان الامداد و التموين، و الملجأ الذي يلوذ به ضحايا حملات الابادة و الارض المحروقة و التنكيل و العسف، و بعض ذلك ما زال يجري على أيدي ذوي القربى، و رفاق الدرب و اخوة السلاح. لنقرأ معاً شهادة رئيس جبهة التحرير الإرترية الراحل، الشيخ ادريس محمد ادم، من مذكراته:
“أذكر للتأريخ أن القائد البطل حامد إدريس عواتي قرر أن يعلن الثورة المسلحة قبل أن نوفر له الإمكانيات المادية المتفق عليها ، فلجأ الى جبال ( آدال) في غرب إرتريا في شهر سبتمبر 1961 ومعه 12 رجلا من أنصاره ، وكان سلاحهم بندقية انجليزية (303) جيدة تخص القائد عواتي وبعض البنادق الايطالية القديمة وقليل من الذخيرة . لقد فاجأنا توقيت هذه الخطوة وكان السؤال المركزي أمامنا : هل نتبنى هذه الثورة ونتحرك بالقليل من الامكانيات المتوفرة لدينا لدعمها وحمايتها أم نتريث ونتابع الموقف ونستمر في جهودنا لتقوية التنظيم وجمع السلاح والمال وكسب التأييد حتى تنضج الظروف الملائمة لانطلاق الكفاح المسلح .وأذكر للتأريخ أن موقف قيادة الجبهة كان حاسما وواضحا . فهذه هي ثورة الشعب الإرتري و عواتي هو قائدها الميداني وأن الجبهة هي القيادة السياسية المسؤولة عنها ، وأنه لابد من التحرك فورا لدعم عواتي ورفاقه . فبادرنا بإرسال المال الذي جمعناه من تبرعات العمال الإرتريين في السعودية لفرع الجبهة في كسلا ( مجموعة العسكريين ) وطلبنا منهم إقامة اتصال مباشر بالقائد عواتي وإبلاغه بمساندة التنظيم له ، والاستفادة من هذا المال في شراء السلاح من داخل إثيوبيا وتزويد المقاتلين به وتزويدنا بتقرير شامل عن موقف عواتي وإمكاناته وظروف إعلانه الكفاح المسلح ، وأكدنا لهم أن ساعة العمل الثوري قد حانت فعليهم الاستعداد للانخراط في الثورة المسلحة . لقد تبين لنا من المعلومات المتوفرة والموثوقة أن القائد عواتي أضطر لحمل السلاح بعد أن تأكد له أن إثيوبيا تشك فيه وأنها قررت اعتقاله حتى تمنعه من حمل السلاح ضدها ، فبادر الى التحرك السريع .وبالفعل فإن إثيوبيا أرسلت الوحدات الخاصة ( الفيلد فورس) من الشرطة لقمع حركة عواتي والقضاء عليها في مهدها . حدثت مناوشات بين الثوار وهذه القوات الخاصة التي نظمتها ودربتها الحكومة الاستعمارية البريطانية ، إلا أن القائد عواتي بخبرته وشهرته كمقاتل فذ كان يتفادى الدخول في معارك حاسمة ومباشرة مع هذه القوات ويعتمد أسلوب حرب العصابات في الكر والفر ويستفيد من طبيعة الأرض الجبلية وتأييد الشعب في تفادي الوقوع في الكمائن التي تعدها له الوحدات الخاصة . لقد نجح القائد المغوار في إطلاق الثورة وتحدي الإمبراطورية الاثيوبية بهذه الإمكانات المتواضعة وحافظ على قوته الصغيرة ، وبهذا العمل التاريخي فتح الطريق أمام أبناء الشعب للانضمام اليه والالتفاف حوله حتى اشتد ساعد الثوار وقويت شوكتهم وارتفعت رايتهم .وفي استجابة مباشرة انضم أحد عشر عسكريا من أعضاء الجبهة الى القائد عواتي في مارس 1962 بعد أن استقالوا من الجيش السوداني وهم يحملون بنادق إيطالية قديمة تم شراؤها من تبرعات العمال في السعودية ، فرحب بهم القائد البطل وسلمهم قيادة مجموعات الثوار فبدأوا بتدريب المتطوعين ورفع كفاءة المقاتلين ووضعوا خطة للهجوم على أحد مراكز الشرطة النائية بغرض الحصول على السلاح ، إلا أن تنفيذ الخطة كان يتطلب توفر سلاح حديث وذخيرة كافية حيث أن البنادق الايطالية القديمة لا تصلح لتنفيذ الخطة لقدمها وعدم توفر ذخيرتها . ومن ثم صرف النظر عن ذلك بعد أن تنبهت الحكومة الاثيوبية فعززت مراكز الشرطة بالرجال والسلاح الحديث ومن بينها مركز تسني .

وفي إبريل 1962 انضم عضو قيادة الجبهة في القاهرة المجاهد الشهيد سعيد حسين الى الثوار في الميدان للاستفادة من خبرته العسكرية في مصر حيث شارك مع أبناء الشعب المصري في حرب عام 1956 ضد قوات الغزو البريطاني الفرنسي الاسرائيلي . لقد التحق سعيد بكتائب المتطوعين التي حاربت في سيناء تأكيدا لعمق الروابط بين الشعب الإرتري وشعب مصر العربية. وعاد بعد الحرب ليكمل تعليمه حتى حانت ساعة العمل الثوري فلبى النداء والتحق بالمجاهدين في الريف في 1962. فور وصوله تم عقد اجتماع في كسلا حضره مندوبون من الثوار في الميدان وممثلون لفروع الجبهة في السودان تقرر فيه تكوين قيادة عسكرية تشرف على العمل الثوري وتكون حلقة صلة بين الميدان والقيادة السياسية في الخارج ويكون مقرها في كسلا لموقعها القريب من الحدود مع إرتريا وأطلق على هذه القيادة ( القيادة الثورية الشعبية ) وتفرغ المجاهد سعيد حسين لقيادة مجموعات الفدائيين في المدن الإرترية.

وصول أول دفعة من السلاح للمقاتلين في الريف

لقد فشلت أول محاولة لشراء السلاح من داخل إثيوبيا بعد أن اكتشفتها السلطات الاثيوبية . فقد قمنا بجمع مبلغ من المال من أعضاء الجبهة في السعودية وأرسلناه الى الأخ والصديق محمود محمد عمر ابراهيم في أسمرة مع شخصين من أعضاء الجبهة في السودان وطلبنا منه شراء سلاح من داخل إثيوبيا وتهريبه الى أرتريا وتسليمه للثوار في سرية تامة . كلف الأخ محمود شخصا يثق فيه وفعلا تم شراء السلاح من إثيوبيا ونقل الى أرتريا إلا أن حكومة أرتريا العميلة اكتشفت أمر السلاح فصادرته وقبضت على الأخ آدم ملكين والأخ محمود محمد عمر وأخضعتهما لتعذيب شديد ثم حكمت عليهما بالسجن عدة سنوات بعد أن تأكدت أنني وراء هذه المحاولة . ثم كانت المحاولة الثانية الناجحة في شراء السلاح من الخارج وتهريبه عبر السودان الى أرتريا ، وهذه هي القصة .

تبرع العمال المقيمون في السعودية بالمال من أجل شراء السلاح ليدعموا به الثورة وقد أدى الأخ المجاهد الشهيد عثمان صالح سبي دورا هاما في تقوية فروع الجبهة في جدة والرياض وبقية المدن السعودية التي تتواجد فيها الجالية الإرترية . فقد كان شخصا نشطا تتوفر فيه شروط القيادة ويمتاز بحديثه الجذاب وأسلوبه المرن في التعامل مع الآخرين . تم تكليف الأخ عثمان بالتوجه إلى عدن التي كانت في ذلك الوقت تحت الاستعمار البريطاني بغرض شراء سلاح بهذا المال. وفعلا اشترى بنادق إنجليزية ومسدسات وذخائر من السوق. تم جمع الأسلحة ووضعها في حقائب بمساعدة أعضاء الجبهة ومن ثم سافرت الى الخرطوم بالطائرة ومعي هذه الشحنة . كانت اللحظة الحاسمة تقترب . كنت أسأل نفسي هل أنجح في إيصال هذا السلاح لأيدي الثوار في جبال إرتريا الذين ينتظرونه بفارغ الصبر. دخلنا المطار وفي قاعة الجمارك لفت نظر المفتش منظر الحقائب فطلب مني أن أفتحها ، اعترضت على طلبه بحكم أنني أحمل جواز سفر دبلوماسيا صوماليا وأتمتع بالحصانة الدبلوماسية ، فزادت شكوكه لاسيما وأن لهجتي في الحديث ومنظر ( الشلوخ ) على وجهي توحي بأنني سوداني وأن في هذه الحقائب سلاحا ربما يخص الاحزاب السودانية المعارضة للحكومة العسكرية بقيادة الفريق ابراهيم عبود . وبعد جدال وإصرار من جانبي على عدم تفتيش الحقائب والسماح لي بإدخالها كما هي أو العودة بها من حيث أتيت ، اتفقت مع المفتش أن تبقى الحقائب في المطار ويسمح لي بالدخول لأعالج هذا الموضوع مع المسؤولين في الحكومة . نزلت في الفندق ومن هناك اتصلت بفرع الجبهة لأعلمهم بالوضع ومن ثم بحثت عن صديق للجبهة كان يعمل في القنصلية السودانية في جدة. نجحت في الاتصال بالسيد الفاضل ( علي طالب الله ) وكان وقتها قد انتقل الى وزارة الخارجية وأطلعته على الموقف بالتفصيل ، فبادر بإعداد رسالة من وزارة الخارجية الى سلطة الجمارك في المطار يطلب فيها السماح بإدخال الحقائب لأنها تحتوي على منشورات سياسية تخص ثوار إرتريا . قابلت مسؤول الجمارك في المطار وسلمته الرسالة فرفضها رفضا تاما قائلا أن الامر لا يخص وزارة الخارجية ، ثم سألني : لماذا ترفض تفتيش الحقائب ، فأجبته لأنني أتمتع بالحصانة الدبلوماسية وهذا حق وعرف معتمد فكما أنه يحق لي الدخول بدون تفتيش في مطار الخرطوم فكذلك تعامل حكومة الصومال الدبلوماسيين السودانيين في مطار مقديشو . قال: ألا يوجد سلاح في هذه الحقائب؟ أجبته ضاحكا: كنت أتوقع أن تسألني هل يوجد فيها مخدرات؟ رد قائلا: أتحلف بشرفك أنه لا يوجد فيها سلاح ؟ قلت – وبدون تردد ليقيني بأن لا مخرج آخر أمامي لإدخال السلاح الذي ينتظره المجاهدون في جبال إرتريا بفارغ الصبر – بشرفي لا يوجد فيها سلاح. عندئذ وافق على أن أتسلم الحقائب بدون تفتيش . حمدت الله كثيرا أن يسر لي إدخال هذه الشحنة الهامة. اتجهت فورا الى فرع الجبهة في الخرطوم ومعي الحقائب حيث قام الشباب بتوزيعها في حقائب أصغر حجما وكلفوا عددا من الأعضاء بحملها في القطار متجهين الى مدينة كسلا في اليوم التالي بواقع حقيبة واحدة مع كل شاب . اتفقنا على أن أغادر الى القاهرة قبل أن تكتشف السلطات السودانية الأمر . سافرت الى القاهرة في اليوم التالي وعندما سأل عني رجال الأمن في الفندق أبلغوهم بأنني قد غادرته. وفي كسلا تولت القيادة العسكرية استلام السلاح وتهريبه عبر الحدود الى إرتريا برفقة عدد من المجاهدين الذين قرروا الالتحاق بالثورة . كما قمت بتهريب السلاح عدة مرات آخري بوضعه في حقائب سفر والدخول الى السودان مستغلا جوازي الدبلوماسي الصومالي ونجحت في تسليمه لأعضاء الجبهة الذين تولوا نقله الى الثوار في الميدان .” انتهى الاقتباس.

يضيف الراحل محمد شيخ فرس في كتابه “نضالي مع الثورة الإرترية” ما يؤكد ذلك، إذ يقول: “مكثت حوالي ثلاثة أشهر في عدن، وبعدها حضر ادريس (ادريس محمد ادم) وعثمان (عثمان سبي)، وقابلني عثمان وشرح لي كل التفاصيل الهامة وأخبرني بعزمهما التوجه إلى الصومال ومنها إلى العراق لاستلام أسلحة من حاكم العراق آنذاك الرئيس عبد الكريم قاسم، واحضار هذه الأسلحة إلى عدن، حيث أقوم أنا بنقلها إلى أرتريا بالبحر. وكنت بانتظارهما حتى عادا، ولكن بدون أن يكون معهما السلاح……. وفي هذا الوقت كانت مع عثمان رسالة من المناضل حامد ادريس عواتي، يطلب فيها المدد الفوري، وكان عثمان، قد وعده بذلك بناء على وعد الرئيس العراقي. وطلب مني عثمان ايجاد حل بصفتي لدي معارف في عدن، وكذلك كان يعلم ان لدي حسابا في البنك الهندي في عدن، فطلب مني شراء السلاح من مالي الخاص حتى لا يتعرض لإحراج القيادة العسكرية، واتفقت مع عثمان على شراء السلاح مناصفة، أدفع أنا جزءاً، ويتحمل هو الجزء الباقي، والجزء الذي كان يجب أن يدفعه عثمان، دفعه صديقي..، وذلك بكفالتي على أن يسدد له عثمان فيما بعد. وبعد الاتفاق اتجهنا ليلاً إلى محمية (دار سعد) وكان معي ادريس محمد آدم، وعثمان سبي والوسيط، وبعدها قمنا بفحص الأسلحة. وبعد التأكد من صلاحيتها اشترينا خمس بنادق من طراز أبو عشرة ماركة 4 وخمسة آلاف رصاصة. وأبدى ادريس محمد آدم رغبته في نقل السلاح لأنه كان يملك جواز سفر دبلوماسيا فحمل السلاح في حقيبته الدبلوماسية، وبقي معي عثمان وطلب الا يسافر خالي اليدين، فاشتريت من جيبي الخاص(7) مسدسات ومع كل مسدس(42) رصاصة”.

و في شهادة اخرى لعثمان صالح سبي يقول: “ان جبهة التحرير نشـأت في عام 1960 بين الجاليات الإرترية في الخارج والتي فرضت عليها الهجرة بأساليب الابادة الجماعية والارض المحروقة التي استخدمها الامبراطور الاثيوبي ضد شعبنا. بدأت الجبهة بعدد اصابع اليد الواحدة من الرجال واسلحة بدون ذخيرة وفي الشهور الثلاثة الاولى كان كل ما تمكنا من فعله هو جمع بعض المال حوالي 500 جنيهه سوداني تبرع بها عمال من السعودية والسودان، اشترينا بها تسعة بنادق ايطالية قديمة واذكر ان بعض الإرتريين ارسلوا من داخل إرتريا إلى الثوار رشاشتين اثنين وبندقية أمريكية الصنع وسبع قنابل يدوية وهذه الاشياء رغم بساطتها كانت تشكل حينذاك قوة دفع ضخمة، فالرشاش كان بالنسبة لنا حلما، وفي تلك الفترة باع عمال إرتريا كل ما يملكون من منقولات لتمويل انطلاقتنا الاولى ولن ننسى ذلك العامل الذي جلب لي بذلته، والاخرين الذين باعوا اسرتهم وناموا على الارض كل ذلك من اجل تحرير الوطن.”

بدأت الثورة في الانتشار و التمدد غربي البلاد بعد معركة أدال في 1/9/1961التي كانت الشرارة الاولى لانطلاقة الكفاح المسلح. أعقبتها معركة أخرى في “أومال هتريت” بعد عشرين يوماً، سقط فيها أول شهيد للثورة هو عبده محمد فايد. ثم تلاحقت المعارك التي خاضها عواتي و تلك الكوكبة قليلة العدد و التسليح، شحيحة التموين و الامداد الذين أتى معظمهم من بين صفوف الجيش السوداني، فدارت معارك في “امنايت” بمنطقة القاش، ثم “هناق هنجر” لم تخسر فيهما الثورة شهداء أو جرحى الى أن استشهد اثنان من الرعيل الاول في معركة “بلاقندا” في ربيع العام التالي للانطلاقة. استمرت هذه المعارك الفدائية الخاطفة بين حين و آخر الى ان قاد محمد على أبو رجيله في 15 مارس/آذار 1964معركة تقوروبا التأريخية، لتشكل علامة فاصلة في مشيرة الثورة، و نقلة نوعية في أساليب
و وسائل الكفاح المسلح، و شكلت نصراً مؤزراً آذن بانتصارات متوالية. قرر الإرتريون اعتبار يوم تقوروبا عيداً لجيش التحرير، يحتفلون به في كل عام، و ذلك لأنها كانت أول مواجهة مباشرة مع الجيش الاثيوبي الذي عاد من حرب كوريا و عمليات السلام في الكنقو (ليوبولدفيل) منتفخ الاوداج، مزهواً بمغامراته عبر الحدود. كانت هزيمة الجيش الاثيوبي ماحقة ساحقة، و كانت الأولى منذ نهاية الحرب ضد الايطاليين، و على أيدي ثوار يفوقهم جيش الاحتلال عدة و عديدا.

بعد تلك المعركة كلفت القيادة أبا رجيلة بتأمين جلب السلاح عبر منافذ التهريب في سواحل البحر الاحمر، و قد استطاع عثمان سبي شراء زورق صغير، أطلق عليه اسم “الوليد” ينقل السلاح الى تلك المنافذ. لعب ذلك الزورق لفترة من الزمن دوراً مركزياً في نقل الاسلحة من مصادر قد تبدو بعيدة في ذلك الزمان، بعضها في البحر الابيض المتوسط، و أبعد قليلا.

و في العام 1965 جاءت أول امدادات كبيرة و نوعية من سورية. كانت تلك الاسلحة هي الوحيدة التي نقلت جواً. لم تكن سورية تملك طائرات نقل جبارة تنقل شحنات مقدرة من الاسلحة و الذخائر، فلم تجد مناصاً من نقلها على متن طيرانها التجاري، و هي طائرات صغيرة، ذات حمولة محدودة، لم تكن مهيأة لمثل هذه الشحنات. كانت عند شركة الطيران العربية السورية يومئذٍ طائرات من طراز “كرافيل” الفرنسية، قبل أن تمتلك في بداية السبعينيات طائرات أكبر قليلا من طراز “سوبر كرافيل”؛ ثم عززت اسطولها، بعد سنوات بطائرات اليوشن الروسية. و كلها صغيرة الحجم محدودة السعة. و بعد حرب الخليج الاولى في بداية تسعينيات القرن الماضي التي شاركت فيها سورية بقوات كبيرة الى جانب الحلفاء، قادها اللواء علي حبيب، اهدتها الكويت طائرتي بوينق جمبو صغيرتي الحجم، تبدوان كلعب الاطفال حينما تحطا في المطارات، ينظر اليهما الناس باستغراب و ابتسام. لم تكن الطائرتان الفريدتان تعبّران حتى عن ذرة من الامتنان!

قال عواتي للذين أتوا للالتحاق به مع بنادقهم في تلك الأيام الاولى: “لن يبقى بين صفوفنا من يقول ان هذه بندقيتي، و سوف امنع رفاقي من استعمالها و القتال بها. و ليعلم الجميع ان كل هذه البنادق (أبو عشرة كانت أو أبو خمسة) هي ملك الشعب الإرتري منذ هذه اللحظة. و بعد الاستقلال سوف نعلقها في المكاتب أو المتاحف تذكرة للناس بمشقة الطريق الذي سلكناه الى الحرية.” ثم مضى الى القول – و تلك لعمري ما يجب أن يدين به كل من ينهض دفاعاً عن شعب أو عن حقوق سليبة -: “أقول لكل من تسول له نفسه اليوم أو في أي وقت، أو من له ثأر يريد أخذه بهذا السلاح، أو من ينهب أو يغتصب نساء شعبنا، فليخرج من بين صفوفنا فوراً. و ان ارتكب هذه الجرائم سيكون عقابه أشد مما قد يتصور.” ليعد الإرتريون الى صفاء ينابيع البدايات و ليتمثل بهم ادعياء الثورة اليوم، فكل البلاد رحيبة.

لعمرك ما ضاقت بلاد بأهلها و لكن اخلاق الرجال تضيق
السبت, 02 شباط/فبراير 2013 19:57

President Isaias Afwerki sends message of...

Witness of the most unique & fabulous...

Interview with President Isaias Afwerki: “No...

Eritrean Delegation Statement UNHRC 68th EXCOM...

Women Forum held in Manchester UK

Asmara’s Art Deco Buildings and the World...