December 14, 2013

شواهدُ القول وفحوى الحكاية كتابة أولى حول المشهد الثقافي الإرتري

شواهدُ القول وفحوى الحكاية
كتابة أولى حول المشهد الثقافي الإرتري

شواهدُ القول وفحوى الحكاية كتابة أولى حول المشهد الثقافي الإرتريبقلم / أحمد عمر شيخ
تتعدَّدُ محاورُ القول وتتشعبُ حين يكون الحديثُ عن ملامح الثقافة / الثقافاتِ الإرترية وفق منظور تتنامى به ومعه دلالاتُ الموروث الضارب في عمق التأريخ والمنتج المستلقي على سلالم الثقافة المعاصرة لتحديد موقعه منها ، وذلك باتساع رقعة اللون والتضاريس والعِرق والجذور والمحتوى الثوري الذي شكل لحُمة الثقافة / الثقافاتِ الإرترية وإطارها الراهن انطلاقاً من المعطى المطروح على قلَّة المكتوب منه في طور الانتقال من ردهة الشفاهة إلى ميسم الكتابة حيث تنامت مناحي الثقافاتِ الإرترية وتعدَّدتْ عبر تقاطعاتها الآسرة واندماجها الخلابْ .

أحاول في هذا الرصد العام تلمس بعض الجذور الأولى لتكوين الإنسان الإرتري بدءً من انهيار سدّ مأرب جنوب الجزيرة العربية وانتهاءً بتبلوَر ملامح الهوية الإرترية غنية التعدُّد والرواء وواحدة المصبَ والمنبع في أبرز تجلياتها ، بما يبين المكوّن الثقافي الفريد لهذه البلاد التي تحتل موقعاً هاماً واستراتيجياً منذ العالم القديم حتى الزمن الحالي , بما جعلها محط أنظار وأطماع المستَعمِرين ، وهو ما يجعل الثقافة / الثقافات التي ينتمي إليها إنسان هذه الأرض متميَزة على كافةِ الصَعد والمقاييس , وهو ما تجلَّى في المُنتج الثقافي عبر تعدُّد لغاتِهِ وسماتِهِ ثرية الإيقاع والمضامين.

رصد أولي:
هاجرتْ أقوامٌ مِنْ قبيلتي ( جعزاتْ) و(حبشاتْ) اليمنيتين بعد انهيار سدَ ( مأربْ) إلى المنطقة المسماة حالياً ( إرتريا)، حيثُ كانت تقطن هذه المنطقة الشعوبُ الكوشيَة والحاميَة ، ومِنْ ثمَّ النيليَة التي نزحتْ مِنْ ضفاف نهر النيل واستقرَّ بعضُها على ضفافِ نهر ( القاش) و(سيتيتْ) في الجغرافيا المسماة حالياً (إرتريا).

هذا وقد تزاوجت الشعوب المهاجرة من جنوب الجزيرة العربية قبل قرابة العشرة آلاف عام مع الشعوب القاطنة في منطقة الهضبة والسهول المتاخمة لضفة ( بحر القلزم/ البحر الأحمر) والذي شقته براكين وزلازل لاحقاً ، بعد هجرة تلك الأقوام الساميَة إلى هذه المنطقة حاملة معها نسجها الثقافي الفريد المتمثل في لغةِ ( الجِئز) ، وهي إحدى اللغات القليلة المستخدمة في إفريقيا الآن ، ويتمُّ أداءُ الطقوس بها في الكنائس ويتعبَد بها الرهبانُ والراهباتُ في الأديرة ، وانتقلتْ كذلك إلى لغةِ تعبيرٍ لدى قطاعٍ واسعٍ ومهم من الشعب الإرتري ، حيث أضحتْ تحتلَ ركناً أساسياً في المشهد الثقافي الإرتري الآن ، وتفرعتْ عنها لغتا ( التقري / التقرينَة) ، وتعودُ منابع ( الجئِز) إلى قبيلة ( جعزاتْ) التي جاءتْ مِنْ جنوب الجزيرة العربية كما ذكرنا بعد انهيار السدَ في ذلك الزمن القديم.

هذا وبالإضافة إلى ذلك قامتْ هذه الأقوام بنقل نظام المدرجات الزراعية إلى الهضبة الإرترية ، وذلك عدا عن الملامح التي تظهر جليَة في وجوه عددٍ كبيرٍ من أبناء البلاد ، بما يُري التمازج الفريد الذي وسم الجغرافيا الإرتريَة بالتعدَد العرقي والثراء الثقافي .

وقد وفدتْ إلى إرتريا بعد ذاك العديدُ من الهجرات الجماعية والفردية بما ميَز إنسانُ هذه المنطقة بصفاتٍ تتبدَّى في استقبال الغريب واللاجيء على مرَ العهود والأزمنة , وهو مايدلَ عليه بشكلٍ جلي دخول المسيحيَة في القرن الثالث مِنْ ميلاد المسيح ( عليه السلام) ، وذلك عبر ميناء ( عدوليس) وعن طريق قسَ سوري اسمه ( فرمناطوس) ، ومِنْ ثمَّ انتشرت المسيحية في البلاد .

وهناك شاهدٌ تلى ذلك وهو هجرة الصحابة إلى هذه الأرض , وكما قال الرسول الكريم محمد (ص) حينذاك :أنَّ هناك ملك لايُظلم عنده احد ، وهو ملك بحر نقاش ( أصحمه بن أبحر) وذلك سنة (615) للميلاد ، وأول مسجد بُني في الإسلام على الإطلاق وهو في (راس مِدر) وتعني ( رأس الأرض ومركزها) والذي يوجد الآن في ساحة ميناء مدينة ( مصوَع) ، وعن طريق ذات الميناء (عدوليس) والذي تقوم على أنقاضه اليوم قريتا( زولا وافتا) ، على بُعد 40 كلم إلى الجنوب من ميناء ( مصوَع) على ضفاف البحر الأحمر، وميناء (مصوّع) ذكره ( المسعودي) قبل ألف عام قائلاً : أنَّ كلمة ( باظع) على لسان أهالي المنطقة جاءتْ مِنْ ( باضع) وتعني (حمل البضائع ) باللغة العربية.

وقد قام ببناء ميناء ( عدوليس) ( بطليموس الثاني) الإغريقي في القرن الثالث قبل الميلاد والإغريق هُم مَنْ اعطى إرتريا اسمها الحالي ( سينيوس إرتريوس) وتعني البحر الأحمر باللغة الإغريقية .
وميناء ( عدوليس) هو أقدم ميناء في جنوب البحر الأحمر وكان نقطة وصل هامة في العالم القديم وهو ماذكره ( طرفة بن العبد) في معلقته قائلاً :

عدولية أو من سفين ابن يامنٍ   ———–   يجورُ بها الملاح طوراً ويهتدي

لتتوالى الهجراتُ بعد ذاك ومِنْ أهمها مطاردة العباسيين للأمويين واستقرار جزء منهم في جُزُر ( دهلك) التي تعني ( هذا هلك) تعبيراً عن تلك المطاردات والطبيعة الحارَة للجزر.

وهناك آثارٌ وشواهدٌ تُنبيء عن حضاراتٍ عظيمة ظهرتْ ووسمتْ إنسان هذه الأرض بالعراقة والتاريخ الحافل ، مثل ( مَطَرا / بلو كلو/ قوحايتو/ رورا بقلا/ رورا حباب) والأديرة مثل ( دبر بيزن/ دبر سينا ) .
هناك تقاطعات وتشابهات تتجلَى في نمط العيش والملبس والمأكل في الحياة الثقافيَة الإرتريَة عبر مختلف المجموعات اللغويّة ( حدارب/ساهو / تقري/ تقرينَة/ بلين / رشايدة/ نارا/ كوناما/ عفر).

ونجد أنَّ هذه المجموعات العرقية لديها سجلها الحافل مِنْ شعرٍ وغناءٍ ورقصٍ وهو مايسمُ الثقافة / الثقافات الإرتريَة بالثراء والتنوّع والغني اللامحدود وهو مامكَن الاستفادة في اكتشاف أرضيةٍ خصبة للانتقال إلى المكتوب مِنْ أدب وهو الطور الذي بدأتْ تدخله الثقافة / الثقافات الإرتريَة منذ زمن ليس باليسير وحاولتْ إعاقته الاستعمارات المتعاقبة ، والطاقة التي قام بتوجيهها هذا الشعب ضدَّ المستعمِر الذي أحرق الأخضر واليابس ، وهو ما احتلَ بدورهِ حيَزاً هاماً في الثقافة / الثقافات الإرتريَة وعبَّرتْ عنه الفنونُ قاطبة سواء عبر الأدب الشفاهي الذي يحتلَّ مساحة مقدرة في الواقع الإرتري، أو المكتوب على قلَته أو الأغنية أو الدراما بمختلف أنواعها والتي تشعبت الآن وأضحى الفيلم السينمائي يحتلَ قدراً كبيراً من اهتمام شريحة إرتريَة واسعة ، وذلك على الرغم من الطور الابتدائي الذي يمرُّ به ، ومايعانيه في غالبيتهِ من ضعفٍ في النصَ السينمائي وجانب الإخراج وبعض مشكلات التمويل ، ولكنه يظلُّ مُبشِراً بانطلاقةٍ مهمة وذلك بسبب إيلاء الحكومة الإرتريَة اهتماماً بهذا الجانب وتكوين أول لجنة تصنيف للفيلم الإرتري بما قد يساعد على النهوض الحتمي في هذا المجال ، ومحاولة بعث المسرح كمنطلق أساسي للفنون قاطبة .

وتجلَى التعبيرُ كذلك عن حالة اللجوء والغربة في الفنَ الإرتري نطاقاً مُقدَّراً في المنتج الثقافي الإرتري .
هذا ولعب الفنَ دوراً هاماً ومفصلياً في تجييش المشاعر الوطنيَة وتوحيد الطموحات والأهداف الإرتريَة صوب تحرير الأرض ومِنْ ثمَّ بناء الوطن والإنسان منذ التحرير وحرب الدفاع عن السيادة وحتى اللحظة الراهنة .

ويرتكز المعطى الثقافي والفنَ الإرتري على مسألة الهويَة الإرتريَة ذات التفرُّد في المضامين والرؤى والخصوصية ضاربة الجذور والأعماق ، وربما من البديهي القول أنَّ المنتج الإرتري كان انتقاله إلى فسحة المكتوب وفق تعدَّد فضاءاته محكوماً بالواقع الاجتماعي والثقافي والسياسي الذي ألمحنا إلى جزءٍ منه في هذا المقال ، والذي تمثل في المستعمِر الذي حرم الشعب الإرتري مِنْ حقوقه في التعلَم والكتابة بلغاته الوطنيَة وقام بمحاولةِ فرضِ لغتهِ ونهجهِ وسلوكهِ المهيمن بما أصاب الأدب الإرتري بالضمور إلى حين استطاع انجاز استقلاله ومِنْ ثمَّ يقومُ الآن وفي ظلّ حراكٍ ظاهرٍ بالمضي في انتاجه الثقافي والفنّي بمختلف الوانه ولغاته وفي دأبٍ خالصٍ ، وذلك من اجل تقديم وجهٍ مشرقٍ لإرتريا الحرَّة المستقلَة والمضي إلى آفاق مِنْ مستوياتِ التعبير تستفيدُ من المنجز الإبداعي للعالم من حولنا وعبر أطرٍ جماليةٍ غنيَّة تليقُ بإنسانِ هذه الأرض وتأريخه وتضحياتِهِ وطموحه .

وهناك أعمال وجهود لمثقفين وكُتَّاب إرتريين وغير إرتريين عبَّروا وتحسَّسوا تراكم الفعل الثقافي الإرتري بمختلف لغاتهِ وجوانبه ، سواء أدب أو سينما أو دراما أو إعلام وغيره مِنْ منتج وعبر استيفائِهِ لشروط الإبداع الإنساني سيعملُ على تقديم إرتريا للعالم بوجهها المشرق ، وهو ماتستحقه عبر نضالاتها الفريدة والعظيمة مِنْ أجل وجودها وحقها وسيادتها ، وهي تعملُ بدأبٍ في مختلف المناحي في سبيل تكريس مباديء السلام والتعايش والوئام والذي هو مِنْ أهم ملامح الثقافة / الثقافات الإرتريَّة في مختلف الأزمنة والحِقَبْ.

العربية للطيران تضيف “ارتيريا” إلى...

Foreign Minister Outlines Eritrea’s Achievement...

ENT Diagnostic and Operation Centre Inaugurates

“Eritrea’s Anti-Corruption Experience” ...

Eritrean community festival in Qatar

Eritrea’s energy shortfall in supply, almost...