March 27, 2014

“المنطق” الإثيوبى.. والمواجهة الضرورية

“المنطق” الإثيوبى.. والمواجهة الضرورية

أحمد السيد النجار –لأهرام ا
أحمد السيد النجار –لأهرام  ايبدو ” المنطق ” الإثيوبي في إدارة قضية بناء سد النهضة، صادما بصورة مروعة ربما أكثر من موضوع السد نفسه، فهو إما أنه لا يدرك أن هناك شيئا اسمه القانون الدولي الذي يحكم العلاقات المائية بين الدول المتشاركة في أي نهر دولي، أو أنه لا يلقي للقانون الدولي بالا من الأصل، وهو أمر عبثي يفتح المجال أمام إدارة العلاقات المائية بصورة بعيدة عن إعمال القانون وقواعد الحق والعدل

وقد صرح أكثر من مصدر رسمي إثيوبي، ومنهم سفير إثيوبيا في مصر، بأن بناء سد النهضة هو عمل من أعمال السيادة، ولا علاقة لأي دولة به، وأن مصر قامت ببناء السد العالي دون استشارتهم. وهذه التصريحات لا تفرق بين دولة المنبع (إثيوبيا) التي تؤثر تصرفاتها في مياه النهر علي دول المجري الأوسط والمصب، وبالتالي لا يحق لها القيام بأي أعمال علي النهر إلا بالتشاور مع باقي دول حوض النهر، وتصرفات دولة المصب فيما يأتيها من مياه وهي حرة فيها، لأنها لا تؤثر علي أي دولة أخري حيث إنها آخر دولة في مجري النهر، وهذا هو وضع مصر.

وإذا كانت هذه الطريقة الإثيوبية تضع مصر أمام ضرورة البدء فورا باتخاذ إجراءات حازمة لمعالجة قضية سد النهضة علي ضوء القانون الدولي والاتفاقيات السابقة بشأن المياه فيما يتعلق بالروافد الإثيوبية لنهر النيل، وعلي رأسها النيل الأزرق، فإنها تطرح التساؤل حول القانون الدولي الذي يحكم العلاقات المائية بين الدول في أحواض الأنهار الدولية المشتركة.

القانون الدولي.. من السطو إلي العدل
مرت عملية تشكل الأسس النظرية والقانونية الدولية للتعامل مع الأنهار الدولية المشتركة بين دولتين أو أكثر بمراحل طويلة، وتغيرات عاصفة، ارتبطت بالأساس بمشكلات أو نزاعات واقعية علي مياه الأنهار المشتركة، علما بأن هذه النزاعات لم تظهر أصلا إلا علي ضوء التطور التكنولوجي، وما نتج عنه من قدرة البشر علي إقامة خزانات المياه الكبري والسدود ونقل المياه من الأحواض الطبيعية للأنهار إلي مناطق أخري تتوافر بها الأراضي الزراعية وتفتقر للمياه. وقد بدأت القواعد التي تحكم العلاقات المائية بين دول حوض النهر الدولي، أقرب لمنطق السطو في البداية كما سنعرض لاحقا، إلي أن انتهت إلي منطق أقرب للعدل في الوقت الراهن. لكن القوة والدأب وحدهما هما ما يسند الحق والعدل حتي في الوقت الراهن.

ويمكن القول إن القرن التاسع عشر، وبالذات النصف الثاني منه، هو الذي شهد البداية الحقيقية للتحكم في الأنهار الكبري المشتركة بين أكثر من دولة، بما أدي الي ظهور النزاعات بشأن توزيع مياهها. أما قبل ذلك فإن التحكم في الأنهار الكبري دائمة الجريان، كان مستحيلا تقريبا، وكان التحكم ممكنا فقط في الأنهار الصغيرة موسمية الجريان، أو بعض الروافد أو الفروع الصغيرة للأنهار الكبيرة.

وعلى أى الأحوال فإنه قبل توفر التكنولوجيا التى سمحت للإنسان بالتحكم فى تخزين ونقل مياه الأنهار الكبيرة دائمة الجريان، كانت الأنهار الكبرى المشتركة بين دولتين أو أكثر تتدفق فى مسارها الطبيعى من المنابع الى المصب، وكان استخدام مياهها يقل فى الغالب عن إيرادها السنوى المتجدد من المياه بصورة كبيرة مما سمح ولفترات تاريخية طويلة بالتوسع الزراعى البطيء عادة دون إثارة مشكلات تتعلق بتوزيع مياه الأنهار المشتركة على الدول المتشاركة فيها. لكن الانفجار السكانى الذى رافق الثورة الصناعية، والذى نجم عن حدوث تقدم صحى كبير أدى الى انخفاض معدلات الوفيات دون حدوث انخفاض مماثل فى معدلات المواليد.. هذا الانفجار السكانى أدى الى زيادة الحاجة للتوسع الزراعى السريع لتلبية احتياجات السكان من الغذاء، وتلبية احتياجات الصناعة من المواد الخام الزراعية. وبناء على ذلك بدأ الاهتمام بتوفير المياه للتوسع الزراعى الأفقى واسع النطاق، فضلا عن التكثيف الزراعى الرأسى من خلال تحسين البذور لرفع إنتاجيتها وتطوير الإرشاد الزراعي، وتطوير استخدام المخصبات الصناعية، ومضادات الآفات، والاهتمام بالمواءمة بين التربة والمناخ من جهة، وبين المزروعات الملائمة لهما فى كل مكان من جهة أخري، فضلا عن تحويل الأراضى المزروعة على المطر إلى أراض مروية، نظرا لأن إنتاجية الزراعة المروية أعلى بكثير من إنتاجية الزراعة البعلية أى المطرية. والذى يهمنا هنا هو التوسع الزراعى الأفقي، وتحويل الزراعة البعلية إلى زراعة مروية، لأن كليهما يرتبط بزيادة الاحتياجات المائية التى شكلت الحافز على إقامة مشروعات الرى الكبرى لحجز وتخزين المياه، ونقلها من الأحواض الطبيعية للأنهار إلى مناطق أخري. فهذه المشروعات هى التى تسببت فى إثارة قضية توزيع مياه النهر المشترك بين دولتين أو أكثر، بدلا من التدفق الطبيعى للنهر الذى لم يعد ممكنا أن يستمر كما كان بسبب التغيرات السكانية والتكنولوجية.

«السيادة المطلقة» الفاسدة من أمريكا وتركيا لإثيوبيا
يتلخص مضمون هذه «النظرية» إذا جازت تسميتها «نظرية» أصلا، فى حق كل دولة فى ممارسة السيادة المطلقة على الجزء الذى يجرى فى أراضيها من أى نهر دولى مشترك مع دول أخري. ومن البدهى أنه اذا كانت الدولة هى دولة المنبع، فإن هذه«النظرية» تعطيها الحق المطلق فى السيطرة الكاملة على مياهه دون باقى دول مجرى ومصب النهر.

وقد ظهرت هذه «النظرية» التى يطلق عليها «فقه هارمون» نسبة إلى جدسون هارمون«Judson Harmon» المدعى العام الأمريكي، فى ديسمبر 1895، عندما صاغ المدعى العام هذه «النظرية» ليضعها أساسا لحل الخلاف الأمريكي- المكسيكى حول مياه نهر «ريوجراند» الذى ينبع من مرتفعات «سان جون» فى جنوب غربى ولاية كلورادو الأمريكية وتنبع كل روافده من الولايات المتحدة، ويبلغ طوله نحو 3040 كيلومترا حتى مصبه فى خليج المكسيك. ونتيجة تزايد حاجة المزارعين الأمريكيين للمياه فى المنطقة التى يجرى فيها النهر، تم تحويل جزء من مياهه فى ولايتى كلورادو ونيومكسيكو الأمريكيتين فى العقد الأخير من القرن التاسع عشر لزراعة المزيد من الأراضي.

وبالمقابل، عانى المزارعون المكسيكيون من نقص المياه وبوار أراضيهم الزراعية، وذلك بعد بناء سد «بولدر» فى ولاية نيو مكسيكو الأمريكية، مما حرمهم من المياه التى كانوا يعتمدون عليها فى الزراعة والشرب، وهو ما دفع المكسيك الى توجيه مذكرة احتجاج للولايات المتحدة مفادها أن تحويل مياه النهر فى الولايات المتحدة أضر بمصالح وحقوق المكسيك. وطلبت الخارجية الأمريكية من المدعى العام الأمريكى أن يعد ردا على مذكرة الاحتجاج المكسيكية، فأعد ردا فحواه «أن المبدأ الأساسى فى القانون الدولى هو مبدأ السيادة المطلقة التى تمارسها الدولة فوق أرضها دون تدخل من الآخرين». وتعامل «هارمون» مع المياه التى تنبع من أراضى أى دولة على أن التحكم فيها يدخل ضمن السيادة المطلقة للدولة على إقليمها، حتى لو أدى تحكمها فى هذه المياه الى حرمان جزئي، أو كلى لدول أخرى كانت المياه تجرى الى أراضيها بشكل طبيعي. (راجع فى ذلك د. على إبراهيم، قانون الأنهار والمجارى المائية الدولية فى ضوء أحدث التطورات فى مشروع لجنة القانون الدولى النهائي، دار النهضة العربية، القاهرة، 1997).

وقد استندت الولايات المتحدة جزئيا الى نظرية السيادة المطلقة التى نادى بها المدعى العام الأمريكى جدسون هارمون فى تسوية الأزمة المائية مع المكسيك حول نهر ريوجراند فى نهاية القرن التاسع عشر، وبداية القرن العشرين، حيث تمت تسوية النزاع من خلال معاهدة عقدت فى مايو عام 1906، وهى معاهدة تعكس اضطرابا فى الأساس القانونى بين نظرية السيادة المطلقة، وبين نظرية السيادة الإقليمية المقيدة، أو التوزيع العادل لمياه النهر، فرغم أن مقدمة المعاهدة تتضمن رغبة الولايات المتحدة والمكسيك فى التوزيع العادل والمنصف لمياه نهر ريوجراند، إلا أن المعاهدة تنص على أن تتنازل المكسيك عن كل مطالبة سابقة أو مستقبلية حول مياه نهر ريوجراند، وتؤكد الولايات المتحدة مبدأ السيادة الإقليمية المطلقة التى تعنى عدم وجود أى التزام عليها تجاه دولة مصب النهر أى المكسيك. وتستند نظرية السيادة النهرية المطلقة لدولة المنبع الى منطق القوة والقدرة على حماية الاستئثار بمياه النهر، وهو سند فاسد يعكس شريعة الغاب، ولا يعبر من قريب أو بعيد عن مقتضيات الحق والعدل فى العلاقات الدولية، وفى توزيع الثروات الطبيعية المشتركة بين الدول مثل المياه التى تجرى فى نهر دولى مشترك.

ولما كانت معاهدة عام 1906 بشأن مياه نهر ريوجراند بين الولايات المتحدة والمكسيك قائمة على أسس غير عادلة، فإن المكسيك عادت لتطالب بتعديل المعاهدة حتى تم التوصل إلى معاهدة جديدة فى فبراير 1944 لتوزيع مياه النهر بشكل عادل بين الدولتين، وعلى أساس أن لكلتيهما حقا فى مياهه. وبرغم ذلك تعهدت الولايات المتحدة فى الاتفاقية بإعطاء حصة سنوية من المياه للمكسيك مجانا، وهى صيغة أقرب إلى المنحة منها إلى الاعتراف بالحقوق المكسيكية فى مياه النهر.

وفى أربعينيات القرن العشرين قامت تركيا بتغيير مجرى نهر «قويق» الذى ينبع من أراضيها ويروى أراضى منطقة حلب السورية التى كانت تعتمد عليه أيضا فى الشرب، مما أدى إلى بوار مناطق زراعية كبيرة فى سوريا. وفى ثمانينيات القرن العشرين عادت تركيا لتفجر أزمة مشابهة مع سوريا والعراق بشأن مياه نهر الفرات مستندة فى الواقع الى فقه هارمون حتى لو لم تعلن ذلك رسميا، حيث إنها تصرفت بشكل منفرد لتقتطع من المنبع ما قررت أنه حقوقها المائية، دون النظر إلى الحقوق التاريخية المكتسبة لكل من العراق وسوريا فى مياه النهر، والتى ترتبت بناء عليها الحياة البشرية والحيوانية والنباتية فى البلدين، وبالذات فى العراق. لكن الكميات التى كانت تتدفق للعراق، كانت تزيد فعليا عن حاجته، ولم تكن المشكلة فى حصول تركيا على حصة من مياه النهر، ولكن فى تصرفها المنفرد.

وتجدر الإشارة إلى أن سد أتاتورك وسلسلة سدود الأناضول التى أقامتها تركيا على منابع وروافد نهر الفرات، قد استخدمت لتخزين المياه لنقلها إلى مناطق سهلية خارج حوض النهر من أجل زراعتها بالطبع، فضلا عن استخدام تلك السدود فى توليد الكهرباء. ورغم مشروعية حصول تركيا على حصة من مياه الفرات بالذات تلك التى تهدر فى الأهوار وشط العرب، وتذهب فى النهاية إلى مياه الخليج العربي، إلا أن ذلك كان لابد وأن يتم بالتفاوض والتفاهم مع سوريا والعراق، على أن يتحدد حجم الحصة التركية بما لا يمس الاحتياجات الضرورية المستخدمة فعليا من المياه فى سوريا والعراق.

وهناك نماذج أخرى لم تكتمل لمحاولة بعض الدول اعتماد نظرية السيادة المطلقة فى تسوية نزاعاتها المائية مع دول شريكة لها فى أنهار دولية مثل النزاع بشأن نهر الجانج بين الهند وبنجلاديش الذى انتهى بتسوية قائمة على الاستغلال المشترك للمياه. ويمكن القول إن نظرية السيادة المطلقة أو »فقه هارمون« يفتقد لأى مقبولية دولية على المستوى النظري، خاصة أنه لا يستند لأى أسس عادلة يمكن قبولها عقليا وضميريا وأخلاقيا، لكن ذلك لم يمنع تطبيق بعض الدول له فى الواقع العملى مثل حالة تركيا بشأن نهرى قويق والفرات.

وبرغم أن هذا المنهج الفاسد صار مرفوضا كليا على الصعيد الدولي، فإن ما تفعله إثيوبيا يندرج تحته، فهى تتصرف وكأنه ليست هناك دول أخرى على المجرى الأوسط والمصب، وتدعى باستمرار أنها لن تمس حصتى مصر والسودان، دون أن توقع على اتفاقية تؤيد موقفها فى هذا الشأن، بما يجعل هذا الموقف مجرد دعاية لا تتمتع بأى مصداقية.

الحقوق النهرية المطلقة.. التطرف المعاكس
تعتبر هذه النظرية معاكسة تماما لنظرية السيادة المطلقة أو «فقه هارمون»، وتقضى بأن كل دولة من دول حوض النهر المشترك بين أكثر من دولة من حقها أن تستقبل نفس كمية المياه التى تتدفق من المنابع دون المساس بهذه المياه أو تلويثها. أو بمعنى آخر تقضى النظرية بأن تترك مياه النهر تتدفق وفقا لنمط تدفقها تاريخيا. وهذه النظرية هى فى مصلحة دول مصبات الأنهار. ولذلك كان من الطبيعى أن ترفع هذه الدول لواء هذه النظرية فى مفاوضاتها مع دول منابع الأنهار الدولية المشتركة بشأن تقسيم مياه هذه الأنهار.

والحقيقة أن هذه النظرية متعسفة بالنسبة للدول التى تقع فيها منابع النهر الدولى ومجراه الأعلي، فى حين أنها متحيزة للدول التى يقع فيها مصب النهر، حيث إنها بمعناها المشار اليه تمنع قيام دول المنابع والمجرى الأعلى من استغلال مياه النهر فى الأغراض الزراعية أو الصناعية، وهو أمر غير معقول أو مقبول، وكل مايمكن قبوله من هذه النظرية هو ضرورة التزام دول المنابع والمجرى الأعلى بعدم تلويث مياه النهر، أما توزيع هذه المياه فإنه يجب أن يتم بصورة عادلة تراعى الحصص التاريخية المستخدمة فعليا، والتى ترتبت عليها حياة البشر والنبات والحيوان، وتراعى أيضا الاحتياجات المتنوعة لكل دول حوض النهر، وهو أمر مغاير بالتأكيد لهذه النظرية غير العادلة. وإن كان من الضرورى الإشارة الى أن هناك حالة خاصة، هى أن يكون النهر يصب فى بحيرة مغلقة ترتبت حياة البشر حولها فى دولة المصب على أساس الصيد والزراعة الشاطئية، حيث إنه فى هذه الحالة تكون حياة البشر وزراعاتهم ونشاطهم فى تربية الماشية موضع تهديد فى حالة انخفاض المياه المتدفقة من المنابع مما يقتضى نظرة خاصة لحصة دولة المصب فى هذه الحالة، وإن كان ذلك لا يعنى على الإطلاق تطبيق نظرية الحقوق النهرية، أو التكامل الإقليمى المطلق، لأنها فى الواقع تطرف مقابل للتطرف المعاكس الذى تمثله «نظرية» السيادة المطلقة أو فقه هارمون.

الاقتسام العادل للمياه
تقوم نظرية التقسيم العادل لمياه النهر التى تسمى أيضا بنظرية السيادة الإقليمية المقيدة، على أساس التوفيق بين المصالح المائية لدول حوض النهر بشكل يتسم بالعدالة، ويأخذ فى الاعتبار احتياجات كل دولة، ويراعى الحصة التاريخية لكل دولة من دول حوض النهر كعامل محدد لماهية التقسيم العادل للإيراد المائى للنهر على دول الحوض. وتشير هذه النظرية فى جانب منها إلى أنه لا يجوز تحويل مجرى النهر إذا كان من شأن هذا التحويل أن يلحق ضررا مهما بالحقوق المائية للجماعات، أو الدول التى يعبر النهر أملاكها أو يتاخمها. وهذا يعنى أن دول المنبع والمجرى الأعلى تكون مقيدة تماما فى مسألة تحويل مجرى النهر حيث لا يحق لها ذلك، لأنه يضر بدول المجرى الأوسط ودولة المصب، فى حين أن أى تصرف للأخيرة لا يضر دولا أخري. وبالتالى فإن هذه النظرية التى يعتبر الفقيه القانونى السويسرى سوزر هال من أهم الداعين لها، تتيح لدول المصب حرية أكبر فى التعامل مع النهر ومجراه فى حدود حصتها من مياهه. وتعتبر هذه النظرية وهى الأكثر واقعية وإنسانية وأخلاقية، هى مصدر وأساس القانون الدولى المعاصر فى مجال الأنهار ومجارى المياه الدولية المشتركة.

مصر فى مواجهة حتمية وآنية مع «النهضة»
أظهرت مصر دائما منذ التفكير فى مشروعات الري، اهتماما بعدالة توزيع مياه النهر فى ارتباط ذلك بالاستخدام التاريخى لمياه النهر، وليس بالتدفق التاريخي، وبالارتباط أيضا بما ترتب على الاستخدام التاريخى من حياة للبشر والنبات والحيوان، وما قام على أساسها من مشروعات زراعية وصناعية وخدمية متنوعة. ولذلك فإن مصر عندما نفذت مشروعات مائية مشتركة مع هذه الدولة او تلك من دول حوض النيل فإنها كانت تراعى مبدأ العدالة فى توزيع عائد تلك المشروعات، رغم أنها فى العادة كانت تتحمل كل أو غالبية تكاليف تلك المشروعات، وعلى سبيل المثال فإن مصر تحملت كل تكاليف إنشاء السد العالى رغم أن نحو 60% من الوفورات المائية التى تحققت من ورائه ذهبت للسودان، كما أنها تحملت تكاليف سد «أوين» الذى يولد الكهرباء لأوغندا، والذى لم تحصل مصر من ورائه على أى شيء، لأن الدول المتشاطئة مع بحيرة فيكتوريا، رفضت تخزين المياه فيها لمصلحة مصر، لأن ذلك سيسبب أضرارا لها نتيجة الارتفاع الذى سيحدث فى منسوب مياه البحيرة، إذا تم تخزين المياه فيها.

وبرغم أن مصر قد تحفظت على الاتفاقية الإطارية للاستخدامات غير الملاحية للأنهار الدولية والتى أقرتها الأمم المتحدة عام 1997، بسبب ما تتيحه هذه الاتفاقية من إمكانية تعديل الاتفاقيات القائمة، والاتفاق على معاهدات جديدة لتقسيم مياه النهر الدولي، إلا أن هذه الاتفاقية لا تتيح لإثيوبيا وهى دولة منبع، أن تتصرف بصورة منفردة ومؤثرة على الحياة فى مصر. وقد وقعت بريطانيا التى كانت تحتل مصر، اتفاقية مع اثيوبيا فى 15 مايو عام 1902. تعهد فيها منليك الثانى ملك إثيوبيا بألا يقوم بإنشاء، أو يسمح بإنشاء أعمال على النيل الأزرق، أو بحيرة تانا أو نهر السوباط من شأنها الحد من تدفق المياه منها إلى مصر والسودان إلا بعد الرجوع والاتفاق مع حكومتى بريطانيا ومصر. كما وقعت بريطانيا وفرنسا وإيطاليا اتفاقا فى لندن بشأن الحبشة (إثيوبيا)، تضمن فى البند الرابع منه، موافقة الدول الثلاث على العمل معا لتأمين مصالح بريطانيا العظمى ومصر فى حوض النيل، وعلى الأخص تأمين وصول مياه النيل الأزرق وروافده إلى مصر.

والحقيقة أن الوقت يمر دون أى اتفاق مع إثيوبيا بشأن سد النهضة ومعاملات أمانه وحجم خزانه وسنوات ملئه، وهى تبدد الوقت فى مفاوضات مراوغة لا تنتهى تستغل الوضع السياسى فى مصر، وليس أمام مصر سوى البدء فورا وبشكل تصاعدى وسريع فى كل الإجراءات الكفيلة بإيقاف العمل فى السد لحين الانتهاء من الاتفاق بين مصر والسودان وإثيوبيا. ومن الضرورى لمصر أن تعد ملفها حول السد بصورة جيدة، متضمنا كل الاتفاقيات السابقة مع إثيوبيا، وحقيقة استهلاك مصر لكل قطرة من حصتها من مياه النيل التى تعتمد عليها كليا حياة البشر والنبات والثروة الحيوانية، لتتوجه به فورا إلى كل الجهات الإقليمية والدولية المختصة بالتحكيم فى هذا الشأن، أو التى من شأنها إيجاد موقف دولى أو إقليمى منه. كما ينبغى على مصر أن تتوجه إلى الدول والشركات التى تسهم فى تنفيذ السد بغرض إقناعها بالتوقف عن التنفيذ لحين توقيع اتفاق بشأنه بين دول حوض النيل الأزرق. أما الخطوات الأخرى التى من شأنها إجبار إثيوبيا على احترام حقوق مصر وحياة شعبها فينبغى البدء فيها بصورة فورية ومدروسة، فشرعية الدفاع عن حياة مصر وشعبها تعلو على كل ما عداها.

Föderation für Weltfrieden – Universal...

President Isaias Holds Talks with PRC Communist...

Celebration & Forum held in Vienna Austria on...

ኣስመራ፣ ከተማ ሕልምታት – Asmara: City of Dreams

New Agricultural Laboratory inaugurated

Asmara inscribed UNESCO World Heritage