January 31, 2013

التحوولات السياسية في القارة الإفريقية.. وتأثيراتها السلبي

التحوولات السياسية في القارة
الإفريقية.. وتأثيراتها السلبي

التحوولات السياسية في القارة الإفريقية.. وتأثيراتها السلبيaشهدت إفريقيا في الأشهر القليلة الماضية مجموعة من التحوّلات السياسية والعسكرية التي ألقت بظلالها الغامضة على مستقبل القارة، ومن هذه التحوّلات الانقلاب العسكري في مالي، واحتلال قرية «هجليج» من قِبَل قوات جنوب السودان، وما تبعها من حرب بين شمال السودان وجنوبها، وانقلاب غينيا بيساو، وغيرها.

تمثّل هذه التحوّلات حلقة في سلسلة عدم الاستقرار في القارة الطامحة للنهضة، والانعتاق من ماضي التخلّف، والدمار، والحروب بالوكالة.

أصل المشكلة يبدأ من التقسيم الاستعماري للقارة، والذي جرى في مؤتمر برلين 1884م – 1885م، حيث جاء متناغماً مع مصالح المستعمرين ونهمهم، وسعيهم لاستغلال موارد القارة، بينما جاء هذا التقسيم متناقضاً مع الواقع الاجتماعي الإثني للمجتمعات الإفريقية، حيث أفرز هذا التقسيم الصناعي وضعين، شكَّلا فيما بعد الأساس للبُعد الإثني في الحروب الأهلية الإفريقية، فمن ناحية جمعت الخريطة الاستعمارية داخل الدولة الواحدة جماعات لم يسبق لها العيش معاً، ولم يسبق لها التفاعل بعضها مع بعض في إطار واحدٍ؛ مثلما هو الحال في أنجولا.

ومن ناحية أخرى؛ فصلت الحدود السياسية المصطنعة «عُرى» التواصل بين جماعات عرقية واحدة، وجدت نفسها فجأة تابعة لكيانات سياسية مختلفة، وهو وضع شائع الحدوث في العديد من أنحاء القارة الإفريقية .(1)
ثم مارس الاحتلال بعدها دوره الخبيث في الوقيعة بين الكيانات العرقية والإثنية غير المتجانسة؛ لضمان سيطرته وهيمنته، ترسيخاً لمبدأ «فرِّق تسد» والذي خلّف مواريث سلبية الأثر في علاقات الجماعات الإفريقية بعضها مع بعض، أسفرت بدورها عن ظاهرتين أُخريين عرفتهما دول القارة في مرحلة الاستقلال، هما: الانقلابات، والحروب الأهلية.

في مرحلة التحرير، وبرغم ما صاحبها من آمال، لم تحقّق إفريقيا الاستقرار المنشود، وإنما ابتليت بنوع آخر من الصراع لا يقل وطأة عن صور الصراع الأخرى، ألا وهو الانقلابات العسكرية التي أصبحت السمة الرئيسة للواقع السياسي في إفريقيا بعد الاستقلال، حتى أُطلق عليها «قارة الانقلابات العسكرية»، فقد شهدت القارة منذ الاستقلال في منتصف القرن العشرين الماضي ما يقارب من ‏83‏ انقلاباً عسكرياً‏ًً، شهدت على إثره نحو ‏20‏ دولة عدة انقلابات عسكرية، بلغت في بعضها ستة انقلابات‏، مثلما حدث في نيجيريا‏، أوغندا‏،‏ غانا‏، بوركينافاسو، وبينين‏، وموريتانيا‏، فيما شهدت نحو ‏13‏ دولة انقلاباً عسكرياً واحداً فقط (2) ‏، وبذلك تصدّرت إفريقيا قائمة القارات الأكثر عرضة للانقلابات العسكرية، وهو الأمر الذي أثّر سلباً في مخططات التنمية في هذه القارة.

ووفقاً لدراسة أجراها معهد الأبحاث الدولية التابع لجامعة «هيدلبيرج» الألمانية؛ فإن عدد الانقلابات في العام الواحد تجاوز 20 انقلاباً في دول العالم، خلال الفترة من ستينيات القرن الماضي (تاريخ استقلال معظم دول العالم الثالث)، وحتى منتصف الثمانينيات، لكن هذا الرقم تراجع إلى الربع فقط (أي خمسة انقلابات فقط) خلال القرن الجديد.
وبالتطبيق على الشأن الإفريقي؛ فإن دول القارة شهدت تراجعاً في معدّل الانقلابات في حقبة الثمانينيات ومطلع التسعينيات من القرن العشرين، في مقابل ارتفاع معدّلات الحروب الأهلية التي وصلت مداها خلال منتصف التسعينيات من القرن العشرين، حيث بلغ عدد الحروب والصراعات الأهلية بالقارة نحو 15 حرباً.

ومع مطلع الألفية الجديدة والقرن الحادي والعشرين خفتت حدّة الحروب الأهلية، لكن سرعان ما عاودت ظاهرة الانقلابات العسكرية البروز من جديد، حيث شهدت القارة 3 انقلابات خلال عامي 2008م و 2009م، في كلٍّ من موريتانيا، وغينيا بيساو، ومدغشقر، علاوة على انقلاب مالي الأخير(3)  في 21 مارس 2012م، وتبعه انقلاب غينيا بيساو الذي وقع يوم 12 أبريل 2012م، وكأنّ قدر القارة التقلّب بين الحروب الأهلية والانقلابات.
وغالباً ما تظهر تداعيات هذه الانقلابات والحروب الأهلية سريعاً، من فقدان الأمن وانتشار النهب والسلب والقتل، والدول الإفريقية بطبيعة الحال تعاني وضعية أمنية متردية، فإذا أضيف لها الهرج والمرج الناتج عن الانقلابات وما يتبعها من اقتتال سندرك مدى تفاقم الأمور.

ومن ذلك على سبيل المثال زيادة عدد اللاجئين، حيث تضم إفريقيا النسبة الأكبر من اللاجئين في العالم، فهي تحتوي على حوالي ثلث عدد اللاجئين على مستوى العالم، ثم ما يترتب على كلّ ذلك من انهيار الاقتصاد، وتدنِّي معدّلات النمو الاقتصادي، والمستويات العالية للفقر، وتفاقم الديون، حيث ذكر عاملون في مجال مكافحة الفقر أن حجم الديون المستحقة على الدول الإفريقية الواقعة جنوب الصحراء الكبرى يُقدّر بنحو 230 مليار دولار، وتدفع الدول الإفريقية نحو39  مليار دولار سنوياً فوائد على تلك الديون، كما يترتب على ذلك تدنِّي متوسطات دخول الأفراد، وتدنِّي مستوى البنية التحتية، وتفكّك الأُسَر نتيجة للقتل والتشريد، وخطف الأطفال وتجنيدهم.. ومن ثم الرجوع إلى الخلف في مشاريع التنمية.

ويقدّم انقلاب مالي الأخير وما يترتب عليه من نتائج كارثية نموذجاً لما سبق، سواء لدولة مالي التي تعرّضت لمخاطر التقسيم، وتواجه احتمالات نشوب حرب أهلية، وتنتظر تدخّلاً عسكرياً من دول خارجية بدعوى استعادة الاستقرار، ومنع انفصال شمال مالي، ومواجهة القاعدة، أو على مستوى إقليم غرب إفريقيا الذي أصبحت دوله تترقب صعود جماعات جديدة مطالبة بالانفصال على غرار حالة الطوارق، أو تدخلاً عسكرياً دولياً لمطاردة عناصر القاعدة في الإقليم.
إعلان انفصال الشمال غير المدروس سيقود المنطقة إلى «صوملة» جديدة، سيكون المسلمون أول (لكنهم لن يكونوا آخر) مَن يصطلي بنارها
ومما يزيد الأمر تعقيداً وجود أيد ومصالح – ليست بخفية – تحرّك هذه الصراعات لإحكام السيطرة على هذه الدول، وبصورة أوضح هناك تنافس بين أمريكا وفرنسا للسيطرة على هذه المنطقة الحيوية والغنية بالثروات الطبيعية (النفط، واليورانيوم)، إذ هي في الأساس تابعة للنفوذ الفرنسي، لكن دخلت أمريكا فيها بقوة تحت دعوى مكافحة الإرهاب.

ولنا أن نتساءل حينما نلاحظ أن النقيب «أمادو سانوغو» منفّذ الانقلاب قد حصل على تدريبات عسكرية بالولايات المتحدة، وشارك في عدة دورات تدريبية عسكرية ترعاها أمريكا، كما أن هذه المنطقة منذ مدة وهي مسرح لعمل المخابرات الأجنبية عامة والأمريكية خاصة، مع تزايد نموّ القاعدة، هل حدث هذا الانقلاب دون علم أجهزة هذه القوى المتنافسة؟! أليس هذا مما يثير الريبة!
ويعزّز من هذا الرأي سعي أمريكا منذ 2007م ليكون لها موطن قدم في هذه المنطقة؛ لتنفيذ مشروعها لإقامة مقر القيادة العسكرية الأمريكية بإفريقيا (أفريكوم AFRICOM) التي يفضلها البنتاغون، لكن وقف رفض هذه الدول حجر عثرة أمام طموح أمريكا بإنشاء أكبر قاعدة عسكرية لها في إفريقيا، ولم يعد من خيار أمام الحكومة الأمريكية سوى إدارة هذه القيادة، وقد كان مخططاً لها أن تضم في حدود 3000 جندي وضابط من قاعدة عسكرية أمريكية في مدينة شتوتغارت الألمانية.

فهذه الأحداث والاضطرابات تمثّل التربة الخصبة للتدخل الأمريكي؛ تحت ذريعة مواجهة إرهاب القاعدة، وإعادة الأمن والاستقرار للمنطقة.
وهكذا، يتضح مما سبق أن المشهد الراهن في إفريقيا يتسم بحالة من الضبابية، وأن كلّ السيناريوهات محتملة، والصورة المستقبلية لهذه المنطقة توحي بأنها مرشَّحة لتكون مسرحاً لصراعاتٍ لن تنتهي، خصوصاً بعد تسرّع القاعدة والطوارق بإعلان انفصال الشمال غير المدروس، والذي سيقود المنطقة إلى «صوملة» جديدة، سيكون المسلمون أول (لكنهم لن يكونوا آخر) مَن يصطلي بنارها، وكأنّ الأمر يتكرر بعناية فائقة، ومخطّط مدروس، وخطوات مرسومة، وهو ما يترجم مشروع أمريكا التي بشّرت به العالم، وهو انتشار الفوضى الخَلاقة في العالم الإسلامي (4).

الإحالات والهوامش:
(1)- رانيا حسين: خلفيات الحروب الأهلية في إفريقيا، مجلة البيان – العدد 81، رمضان 1423هـ / ديسمبر 2002م، ص 60، http://www.meshkat.net/node/14338
(2)-  أميرة محمد عبد الحليم: مالي بين مخاطر الانقلاب والتقسيم، مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية.  http://acpss.ahramdigital.org.eg/Review.aspx?Serial=67.
(3)-  د. بدر حسن شافعي: هل يفتح انقلاب مالي الطريق أمام «الربيع الإفريقي»؟، مجلة السياسة الدولية،http://www.siyassa.org.eg/NewsContent/2/100/2287
(4)- رأفت صلاح الدين: مستقبل مالي سيشهد صراعات لن تنتهي، حوار مع موقع رسالة الإسلام،http://main.islammessage.com/newspage.aspx?id=12648

المصدر :موقع قراءات أفريقية

President Isaias Afwerki sends message of...

Witness of the most unique & fabulous...

Interview with President Isaias Afwerki: “No...

Eritrean Delegation Statement UNHRC 68th EXCOM...

Women Forum held in Manchester UK

Asmara’s Art Deco Buildings and the World...